الشوكاني

197

فتح القدير

( فعليهم غضب ) وإما من المبتدأ الذي هو - أولئك - أو من الخبر الذي هو - الكاذبون - وذهب الزجاج إلى الأول وقال الأخفش : إن من مبتدأ وخبره محذوف اكتفى منه بخبر من الثانية كقولك : من يأتنا منكن نكرمه ، وقيل هو : أي " من " في " من كفر " منصوب على الذم وقيل إن من شرطية والجواب محذوف لأن جواب " من شرح " دال عليه ، وهو كقول الأخفش ، وإنما خالفه في إطلاق لفظ الشرط على من والجواب على خبرها فكأنه قيل على هذا من كفر بالله فعليهم غضب إلا من أكره ، ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب ، وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما لا يظهر إلا من الكافر لولا الإكراه . قال القرطبي : أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، وحكى عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتدا في الظاهر ، وفيما بينه وبين الله على الإسلام ، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلما ، وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة ، وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية إنما جاءت في القول ، وأما في الفعل فلا رخصة ، مثل أن يكره على السجود لغير الله ويدفعه ظاهر الآية ، فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل ، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول ، وجملة ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) في محل نصب على الحال من المستثنى : أي إلا من كفر بإكراه ، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته ، وليس بعد هذا الوعيد العظيم وهو الجمع للمرتدين بين غضب الله وعظيم عذابه ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى الكفر بعد الإيمان ، أو إلى الوعيد بالغضب والعذاب ، والباء في ( بأنهم استحبوا الحياة الدنيا ) للسببية : أي ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا ( على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ) معطوف على - أنهم استحبوا - أي ذلك بأنهم استحبوا ، وبأن الله لا يهدي القوم الكافرين إلى الإيمان به ، ثم وصفهم بقوله ( أولئك ) أي الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة ( الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ) فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها ، ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق ، وقد سبق تحقيق الطبع في أول البقرة ، ثم أثبت لهم صفة نقص غير الصفة المتقدمة فقال ( وأولئك هم الغافلون ) عما يراد بهم ، وضمير الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة ، إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) أي الكاملون في الخسران البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية ، وقد تقدم تحقيق الكلام في معنى - لا جرم - في مواضع منها ما هو في هذه السورة ( ثم إن ربك للذين هاجروا ) من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وخبر إن محذوف ، والتقدير لغفور رحيم ، وإنما حذف لدلالة خبر إن ربك المتأخرة عليه ، وقيل الخبر هو للذين هاجروا : أي إن ربك لهم بالولاية والنصرة لا عليهم ، وفيه بعد ، وقيل إن خبرها هو قوله لغفور رحيم ، وإن ربك الثانية تأكيد للأولى . قال في الكشاف : ثم هاهنا للدلالة على تباعد حال هؤلاء ، يعني الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك ، وهم عمار وأصحابه ، ويدل على ذلك ما روى أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح ، وسيأتي بيان ذلك ( من بعد ما فتنوا ) أي فتنهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا في الكفر ، وقرئ فتنوا على البناء للفاعل : أي اللذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام ( ثم جاهدوا ) في سبيل الله وصبروا على ما أصابهم من الكفار . وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف ( لغفور رحيم ) أي كثير الغفران والرحمة لهم ، ومعنى الآية على قراءة من قرأ فتنوا على البناء للفاعل واضح ظاهر : أي إن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم ثم جاهدوا وصبروا لغفور رحيم ، وأما على قراءة البناء